سعيد عطية علي مطاوع
177
الاعجاز القصصي في القرآن
في المواعدة دخلها الاحتمال أن تكون من غير المواعدة فأعاد ذكر " الأربعين " نفيا لهذا الاحتمال ، وليعلم أن جميع العدد للمواعدة . وإن قال قائل : إذا كان زمن المواعدة أربعين فلم كانت " ثلاثين " ثم عشرا ؟ أجاب ابن عساكر 63 : بأن العشر إنما فصل من أولئك ؟ ليتحدّد قرب انقضاء المواعدة ، ويكون فيه متأهبا مجتمع الرأي ، حاضر الذهن ؛ لأنه لو ذكر " الأربعين " أولا لكانت متساوية ، فإذا جعل العشر فيها إتماما لها استشعرت النفس قرب التمام ، وتجدّد بذلك عزم لم يتقدم . . ولكن المواعدة في سورة البقرة وردت أربعين ليلة ولم يفصل العشر منها : " وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً " ( سورة البقرة : 51 ) . . وذلك لأنه قصد في " الأعراف " ذكر صفة المواعدة والإخبار عن كيفية وقوعها فذكر على صفتها ، وفي " البقرة " إنما ذكر الامتنان على بني إسرائيل بما أنعم به عليهم فذكر نعمه عليهم مجملة ، فقال : " وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ " ( البقرة : 50 ) ، " وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ " ( البقرة : 49 ) . 5 - الخروج على خلاف الأصل : فالأصل في الأسماء أن تكون ظاهرة ، وأصل المحدث عنه كذلك . والأصل أنه إذا ذكر ثانيا أن يذكر مضمرا للاستغناء عنه بالظاهر السابق ، والخروج على الأصل في تركيب الجملة القصة القرآنية له مقاصد عظيمة منها : أ - قصد التعظيم : كقوله تعالى في قصة صاحب الجنتين : " لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً " ( الكهف : 38 ) ، فأعاد ذكر " الرب " لما فيه من التعظيم والهضم للخصم . ومثله في قصة مريم : " وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ " ( آل عمران : 37 ) . ب - إزالة الإهانة والتحقير : كقوله تعالى في قصة موسى وفرعون : " وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ " ( غافر : 37 )